الغزالي
136
إحياء علوم الدين
آداب كتاب السّماع والوجد وهو الكتاب الثامن من ربع العادات من كتب إحياء علوم الدين بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي أحرق قلوب أوليائه بنار محبته ، واسترق هممهم وأرواحهم بالشوق إلى لقائه ومشاهدته ، ووقف أبصارهم وبصائرهم على ملاحظة جمال حضرته ، حتى أصبحوا من تنسم روح الوصال سكرى ، وأصبحت قلوبهم من ملاحظة سبحات الجلال والهة حيرى فلم يروا في الكونين شيئا سواه ، ولم يذكروا في الدارين إلا إياه ، إن سنحت لأبصارهم صورة عبرت إلى المصور بصائرهم ، وإن قرعت أسماعهم نغمة سبقت إلى المحبوب سرائرهم وإن ورد عليهم صوت مزعج أو مقلق أو مطرب أو محزن أو مبهج أو مشوق أو مهيج لم يكن انزعاجهم إلا إليه ، ولا طربهم إلا به ، ولا قلقهم إلا عليه ، ولا حزنهم إلا فيه ، ولا شوقهم إلا إلى ما لديه ، ولا انبعاثهم إلا له ولا ترددهم إلا حواليه ، فمنه سماعهم ، وإليه استماعهم فقد أقفل عن غيره أبصارهم وأسماعهم ، أولئك الذين اصطفاهم الله لولايته ، واستخلصهم من بين أصفيائه وخاصته ، والصلاة على محمد المبعوث برسالته وعلى آله وصحبه أئمة الحق وقادته ، وسلم كثيرا . أما بعد : فإن القلوب والسرائر ، خزائن الأسرار ومعادن الجواهر ، وقد طويت فيها جواهرها كما طويت النار في الحديد والحجر ، وأخفيت كما أخفي الماء تحت التراب والمدر ولا سبيل إلى استثارة خفاياها إلا بقوادح السماع ، ولا منفذ إلى القلوب إلا من دهليز الأسماع فالنغمات الموزونة المستلذة تخرج ما فيها ، وتظهر محاسنها أو مساويها ، فلا يظهر من القلب عند التحريك إلا ما يحويه ، كما لا يرشح الإناء إلا بما فيه ، فالسماع للقلب محك صادق ، ومعيار ناطق ، فلا يصل نفس السماع إليه ، إلا وقد تحرك فيه ما هو الغالب عليه ، وإذا كانت القلوب بالطباع مطيعة للإسماع حتى أبدت بوارداتها مكامنها ، وكشفت بها عن مساويها وأظهرت محاسنها